خبز أمي تحت التراب
كتبهاانتصار الجماعي ، في 16 سبتمبر 2008 الساعة: 00:25 ص
خبز أمي تحت التراب
إنتصار ابوبكر الجماعي

غاب الشعر عن الحضور و بكت الأقلام محمود درويش صديقها الذي طالما عاشت معه و ترعرعت في يده وعلى ظلال أنامله … الشعر و روح الشاعر امتزجت منذ أن قدم قصيدته سجل أنا عربي فسجل ملحمة من كلمات الدماء … من شهداء الحروف و من مدرسة شعرية مزدانة بمستويات متعددة لشعر ملحمي للنضال الفلسطيني و تشكل من هذه التجربة مقاومة الشعب الفلسطيني للاندثار والموت فتصبح القصائد شكلاً لتاريخ المأساة
ومزجت الغنائية بالرمزية وتشكلت الأصوات في شعره حتى أصبح الوطن هو الأم و الوطن و كل الوجود .. كانت حياته عبارة عن كتابة للشعر و المقالات و الغريب إن بعضاً من أشعاره قررت في المناهج الدراسية فيما يسمي بدولة إسرائيل.
لقد كانت إقامته في باريس و غيرها من الدول علي الحدين سواء العربية و العالمية
و من بعد ذلك عودته إلى وطنه حيث أنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه و بعد فترة من وجوده تم الاتفاق على بقائه داخل الوطن وببقائه لم ينضب قلمه على إيقاظ الذائقة الشعرية للشعراء و الوطن
لمعاصرته و معايشته النكبة من اغتصاب لوطنه و قريته اماكن طفولته الجميلة التي بقيت غارزه في ذاكرته كما الناقوس يدق كل ساعة مذكرا اياه بضرورة تحرير الوطن كان يصعب فك رموزه وطبقات شعره ودلالتها من الوهلة الأولى و غالبا ً يتوه القارئ في فهم رموز شعره من الوهلة الاولي تقف مدهوشا حول ماكان يقصده من دلالة على منظومته الشعرية فمن يتوخاه الوطن يصبح أماً و من يتسرب لك يقينك كونها حبيبته تدهشك بكونها العدو ، شعرية ذات جمال متقد و مختلف تحمل قلب الإبداع و روح الشعر المعتق بالجهاد بكلمة، بحبر، بورقة بكل الحروف، رصاصة تنادي لأجل الوطن هذا الهاجس الذي استحوذ على شعرية محمود فلا يخط حرفاً إلا وفلسطين الكلمة الأولي و يافا تسابقه
لنقف و نسمع و ننصت إلى قلبه المذعور كطفل صغير و يخجل عندما يقول:-
أحنّ إلى خبز أمي
و قهوة أمي
و لمسة أمي
و تكبر في الطفولة
يوما على صدر يوم
و أعشق عمري لأني
إذا متّ
أخجل من دمع أمي!
لقد حاول الكثيرون ولم ينجحوا هنا الصوت و الصورة الصمت و المكان فأمه دولة تعج بكل شي تنبض بالحياة ، تبكي للألم ، و تضحك بسرور ، و تعشق و يعشقها و يخاف من بكائها لو تسرب لها صوت من ابنها وهو يقف خائر القوي لايستطيع شيئا هنا يدخلنا بمتاهات الصوت الخارجي الذي يقود إلى مشاغلات الحواس، وانكشافها الأولي خارج الدفقة الشعرية بما يعنيه ذلك من تصاعد وتيرة التمثل الوصفي للغة، فبهذه الفقرات القصيرة يبعدنا عن الإسهاب و الاحتشاد و يمسك بوتيرة الصمت الكلامي ليجعل الكلمات تتمحور و تتقافز من معنى واحد لعدة معان
هذه بعض من كلمات درويش وطن مرصع بالحروب و الحروف فنزف الآف الشهداء و الآف الكلمات التي تبقي الجرح طازجاً لا ينكا من تذكيرنا بأنني الوطن و أن المحتل سيأتي يوم ويرحل إلى تخوم الهزيمة هنا في قصيدة درويش:
سجِّل! أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ!
فهلْ تغضبْ؟
فهنا و تحديدا في ( فهل تغضب؟ ) يمارس بوعي مسألة التناص أو الإحالات، إنها جزء أساسي من مشروعه بخلخلة أمان المغتصب المحتل فالاستناد إلى المحاورات هو جزء من عملية تقنية، يتقنها الشاعر و هي جزئية تجعل منه يعترف بوجود شعراء غيره و وطن ينتحب و يترقب للخلاص هذا اعتراف بنتاج تراكم ثقافي لا فردي.. فلا الشاعر خالٍ من عدة شعراء بداخله ولا الوطن وحده يناضل
صدقا ليست هناك أول كتابة أو كتابة تبدأ على بياض فالكتابة تبدأ على الوطن باللون الأحمر مطرزة بروح الانتصار
توفي محمود درويش قبل يومين في الغربة التي لم يستوطنها في حياته و ترك من ورائه الحبر و القلم وكذلك ألم العودة لأرض عشقها كما يقال عنها
عيونكِ شوكةٌ في القلب توجعني
وأعبُدُها وأحميها من الريح
فكيف ينسي من يحمل شوكة بقلبه يحبها و يحافظ علي أن تبقي مغروزة بكل الآلم من اجلها و حدها فلسطين الحبيبة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























